خلال الربيع العربي / هل سقط الخطاب الديني ؟
نسمع ونرى من بداية ٢٠١١ انواع الفتاوى والاجتهادات التي كانت مُعادية في اغلبها لأي
ضغطٍ سياسي على نظام الدولة ، فحُرِّمت المظاهرات في بعض الدول ، والبعض الآخر من
المتدينين اعتبروا ان الثورات او ” الربيع العربي ” انما هو فِتن وخروجٌ على الحاكم وفي بعض الدول الأخرى لم يكن الخطاب الديني ذا تأثير كبير على العملية السياسية !
ظهرت الاحزاب الاسلامية ايضاً وكانت ذات تأثير كبير على العملية السياسية في المنطقة العربية سواءً على الدول الثائرة او على الدول غير الثائرة والتي اعطت مساحة حرية كافية لتطور الأحزاب السياسية فيها ، من كبُر صوته في هذه الاحزاب هما حزبا : النور – و الحرية والعدالة ( الجناح السياسي لحركة الاخوان المسلمين ) .
دعونا نركز الآن على “الخطاب” الديني الذي اصبح بعيداً كُل البُعد عن الشباب وطموحاتهم وعن الحرية التي تكفّلت الشعوب بإعادتها كحقٍ لهم من السلطات التي اسكتتهم طويلاً ، لمدة تقارب الثلاثين عاماً . فمنذ بداية الربيع العربي في تونس لم تكُن الاصوات الدينية ذات صدى كبير في المجتمعات العربية في وجهة نظري ولكن بعد بداية ثورة مصر اتضحت آراء البعض المُعادية للحرية والتي استخدمها بعض المخلوعين في محاولة استغفال الشعب والامساك به والاستمرار على نفس الخُطى القديمة من القمع والفساد باسم الدين .
فظهرت فتاوى بعض المنتسبين الى التيار “السلفي ” في مصر والتي حرّمت الثورة او ما أسموها بالخروج على الحاكم ، وفي وقت لاحق ظهرت فتاوى “هيئة كبار العلماء ” في السعودية التي تُحرّم المظاهرات ، ولا تخفى اتصالات القذافي مع كثير من المشايخ وعُلماء الدين لمحاولة جعل بعضهم يقف في صفّة في وجه الثورة ، وايضاً عارض الكثير من علماء السعودية ومشايخها ما يسمى بالربيع العربي ، ووصفها بعضهم بالفتن والمؤامرات الغربية على العالم الاسلامي !
في سوريا لا تزال المجازر تُرتكب واحدةً تلوَ الأُخرى ولكن مُفتي سوريا ، و مُحمد البوطي لايزالان مع نظام الاسد فالبوطي يُفتي بأن المظاهرات اصبحت من ( أخطر المحرمات) ! وفي الأردن في الآونةِ الأخيرة رأينا فتوى الدائرة العامة للافتاء التي جائت اعتراضاً على اضراب المُعلّمين !
وعارض بعض عُلماء الدين ثورة البحرين ووصفوها بالثورة الطائفية بل إن بعضهم شجّع وحرّض على قمعها .
في الجهة الأخرى كان هناك من علماء الدين مؤيدون للثورات العربية ، والجميع يعلم مواقف الشيخ القرضاوي مثلاً ، وسلمان العودة الذي مُنِع من السفر بسبب تصريحاته عن الثورات في برنامج الحياة كلمة على قناة الام بي سي ، وطارق سويدان وغيرهم ممن أيدوا الثورات والوقوف في وجه الظلم .. ودعوا للقيام على الظُلم وانتزاع الحقوق .
وانطلقت الاحزاب السياسية “الاسلامية ” بعد الثورات في محاولةٍ للانخراط في العمل السياسي والعملية الديموقراطية ، فحصلوا على نِسبٍ عالية في مصر والمغرب وتونس ، فكان النصيب الاكبر لحزب الحرية والعدالة ونسبٌ اقل منها لحزب النور . واتحفنا بعض شيوخ الاحزاب السلفية في مصر بكمية كبيرة من “الكوميديا ” وتمثل ذلك في تحريم بعضهم للديموقراطية وشاركوا في هذه العملية وحرّم بعضهم انتخاب رئيسٍ بعد اول رئيس لمصر بعد الثورة !
وجماعة الاخوان المسلمين اصبحت لديهم مواقف غريبة وضد الثوار احياناً وكأنهم تخلوّ عن الثورة منذ دخولهم البرلمان ، فما زالت الجماعة تظن ان الجيش المصري يحمي ثورة الشعب وهذا ما تبين انه كذبٌ في الايام الماضية وبعد احداثٍ كثيرة . وانتشرت في الآونةِ الأخيرة دعواتٌ للعصيان المدني في مصر “لإسقاط حكم العسكر ” فكانت تصريحات الاخوان مُعاديةً تماماً بل ان بعض الاسلاميين حرّمها لانه وجد فيها ضرراً على البلاد !
والآن ومازال الربيع العربي مُستمِراً في بعض الدول والتحرُّكات الحقوقية مستمرةً وفي وجهة نظري اذا بقي الخطاب الديني مُستمِراً على حاله فإنه سيخسر الكثير . وطبعاً عندما اذكر الخطاب الديني كنت اقصد في المجمل دين الاسلام ، ولكن ذلك لا يعني ان الدين المسيحي بعيد عن الطريقة لدينا ، فلديهم من عارض الثورات ولكن لقلة معرفتي في رموزهم لم اذكر شيئاً عنهم .
أُحِب ان اختم تدوينتي عن الخطاب الديني بإقتباسٍ من كتاب طبائع الاستبداد لعبد الرحمن الكواكبي / الاستبداد والدين :
“وقد ظهر مما تقدم ان الاسلام مؤسسة على اصول الحرية برفعها كل سيطرة وتحكم بأمرها بالعدل والمساواة والقِسط والإخاء ، بحضها على الاحسان والتحابب . وقد جعلت أصول حكومتها : الشورى الأريستوقراطية أي شورى أهل الحل والعقد في الأمة بعقولهم لا بسيوفهم . وجعل أصول إدارة اللأمة : التشريع الديموقراطي أي الاشتراكي حسبما بأتي فيما بعد . وقد مضى النبي عليه السلام وعهد الخلفاء الراشدين على هذه الأصول بأتم واكمل صوَرِها . “
“ولكن واأسفاه على هذا الدين الحر ، الحكيم ، السهل ، المسح ، الظاهرة فيه آثار الرقي على غيره من سوابقه ، الدين الذي رفع الإصر والأغلال وأباد الميزة والاستبداد . الدين الذي ظلمه الجاهلون فهجروا حكمة القرآن ودفنوها في قبوذ الهوان . “
وهنا رابط للدكتور حاكم المطيري يتحدث فيه عن حكم الخروج على أئمة الجور .